صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

3292

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

طعام ، فمضى القيّم ومعه غلمان عبيد اللّه ، فدفعوا إلى عجوز في خباء ، فقالوا : هل عندك من طعام نبتاعه « 1 » منك ؟ قالت : أمّا طعام أبيعه فلا ، ولكن عندي ما إليه حاجة لي ولبنيّ ، قالوا : وأين بنوك ؟ قالت : في رعي لهم . وهذا أوان أوبتهم « 2 » ، قالوا : فما أعددت لك ولهم ؟ قالت : خبزة وهي تحت ملّتها « 3 » أنتظر بها أن يجيئوا ، قالوا : فما هو غير ذلك ؟ - قالت : لا - . قالوا : فجودي لنا بنصفها ، قالت : أمّا النّصف فلا أجود به ، ولكن إن أردتم الكلّ فشأنكم بها ، قالوا : ولم تمنعين النّصف وتجودين بالكلّ ؟ قالت : لأنّ إعطاء الشّطر نقيصة . وإعطاء الكلّ فضيلة ، فأنا أمنع ما يضعني ، وأمنح ما يرفعني ، فأخذوا الملّة ، ولم تسألهم من هم ؟ ولا من أين جاؤوها ؟ فلمّا أتوا بها عبيد اللّه ، وأخبروه بقصّة العجوز ، عجب وقال : ارجعوا إليها فاحملوها إليّ السّاعة ، فرجعوا فقالوا : انطلقي نحو صاحبنا فإنّه يريدك ، قالت : ومن هو صاحبكم أصحبه اللّه السّلامة ؟ قالوا : عبيد اللّه بن العبّاس ، قالت : ما أعرف هذا الاسم ، فمن بعد العبّاس ؟ قالوا : العبّاس عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالت : هذا وأبيكم الشّرف العالي ذروته ، الرّفيع عماده ، هيه ، أبو هذا عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالوا : نعم ، قالت : عمّ قريب أم عمّ بعيد ؟ قالوا : عمّ هو صنو أبيه ، وهو عصبته ، قالت : ويريد ماذا ؟ قالوا : يريد مكافأتك وبرّك ، قالت : علام ؟ قالوا : على ما كان منك . قالت : أوه « 4 » . لقد أفسد الهاشميّ بعض ما أثّل له ابن عمّه « 5 » ، واللّه لو كان ما فعلت معروفا ما أخذت بذنبه ، فكيف وإنّما هو شيء يجب على الخلق أن يشارك بعضهم فيه بعضا . قال : فانطلقي ، فإنّه يحبّ أن يراك ، قالت : قد تقدّم منكم وعيد ما أجد نفسي تسخو بالحركة معه ، قالوا : فأنت بالخيار إن بدا لك شيء بين أخذه أو تركه . قالت : لا حاجة لي بشيء من هذا إذ كان هذا أوّله . قالوا : فلا بدّ من أن تنطلقي إليه . قالت : فإنّي أنهض على كره إلّا لواحدة ، قالوا : وما هي ؟ قالت : أرى وجها هو جناح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعضو من أعضائه ، ثمّ قامت فحملوها على دابّة من دوابّه ، فلمّا صارت إليه سلّمت عليه ، فردّ عليها السّلام ، وقرّب مجلسها ، وقال : ممّن أنت ؟ فقالت : أنا من كلب ، قال : فكيف حالك ؟ قالت : أجد القائت « 6 » وأستمريه ، وأهجع أكثر اللّيل ، وأرى قرّة العين من ولد بارّ ، وكنّة « 7 » رضيّة . فلم يبق من الدّنيا شيء إلّا وقد وجدته وأخذته وإنّما أنتظر أن يأخذني ، قال : ما أعجب أمرك كلّه . قالت : قفني على أوّل عجب ، قال : بذلك لنا ما كان في حواك « 8 » ، فرفعت رأسها إلى القيّم

--> ( 1 ) نبتاعه : أي نشتريه . ( 2 ) أوان أوبتهم : أي وقت رجوعهم . ( 3 ) الملة : الرماد الحار والجمر . ( 4 ) أوه : كلمة توجع أو تحزن أو شكاية . ( 5 ) أثل له ابن عمه : أي ما تركه له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مجد أثيل أي عميق الجذور . ( 6 ) القائت : ما يقتات به الإنسان . ( 7 ) الكنّة : البيت ، والكنة أيضا زوجة الابن . ( 8 ) حوا : مقصور حواء وهي بيوت للعرب مجتمعة تكون من الوبر . انظر : لسان العرب ، مادة ( ح وا ) .